الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
105
مناهل العرفان في علوم القرآن
الإمعان عن نطاق الشبهات الآنفة التي دحضناها . لهذا نكتفي بما ذكرناه عما لم نذكره ، فرارا من التكرار وتجنبا لإثارة الخصام ، وحبا في الوصول إلى الحقيقة بسلام . طرق معرفة النسخ لا بد في تحقق النسخ - كما علمت - من ورود دليلين عن الشارع ، وهما متعارضان تعارضا حقيقيا ، لا سبيل إلى تلافيه بإمكان الجمع بينهما على أي وجه من وجوه التأويل . وحينئذ فلا مناص من أن نعتبر أحدهما ناسخا والآخر منسوخا ، دفعا للتناقض في كلام الشارع الحكيم . ولكن أي الدليلين يتعين أن يكون ناسخا ، وأيهما يتعين أن يكون منسوخا ؟ هذا ما لا يجوز الحكم فيه بالهوى والشهوة ، بل لا بد من دليل صحيح يقوم على أن أحدهما متأخر عن الآخر . وإذن فيكون السابق هو المنسوخ ، واللاحق هو الناسخ ولنا إلى هذا الدليل مسالك ثلاثة : ( أولها ) أن يكون في أحد النصين ما يدل على تعيين المتأخر منهما ، نحو قوله تعالى أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ، فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ . ونحو قوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ونحو قوله : صلى اللّه عليه وسلم « كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ، ولا تقولوا هجرا » . ( ثانيها ) أن ينعقد إجماع من الأمة في أي عصر من عصورها على تعيين المتقدم من النصين والمتأخر منهما . ( ثالثها ) أن يرد من طريق صحيحة عن أحد من الصحابة ما يفيد تعيين أحد النصين المتعارضين للسبق على الآخر أو التراخي عنه . كأن يقول : نزلت هذه الآية بعد تلك الآية